عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

44

معارج التفكر ودقائق التدبر

ومثل هذا الظنّ كاف بالنسبة إلى من هم من أهل مرتبة التقوى ، لا من اصطفاهم اللّه لرسالته من أهل مرتبة الأبرار ، أو أهل مرتبة المحسنين . حسنا : مصدر « حسن » أي : جمل فلا قبح فيه ، والمراد المجيء بعمل فيه حسن ، وتتفاضل درجات الحسن . من بعد سوء : أي : من بعد عمل فيه سوء ، السّوء : كلّ ما هو قبيح . وتتفاوت دركات القبح . فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ : في هذه القضيّة دلالة بأسلوب الكناية على أنّ اللّه جلّ جلاله يغفر له ، إذا بدّل حسنا من بعد سوء . غفور : أي : كثير الغفران وهو السّتر ، ولفظ « الغفور » من أسماء اللّه الحسنى . رحيم : أي : كثير الرحمة لعباده ، فهو يشملهم بعطاءات رحمته ، دواما ، ولفظ « الرحيم » من أسماء اللّه الحسنى . قول اللّه عزّ وجلّ في بيان خطابه لموسى عليه السّلام : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 12 ) : أي : وأدخل يدك في جيب ثوبك ، وهو الشقّ الذي يدخل منه الرّأس عند لبسه ، وأوصلها إلى إبطك ، أخذا من دلالة نصّ آخر ، وأخرجها أخذا من دلالة اللّزوم الفكري ، تخرج بيضاء متلألئة من غير أن يعتريها سوء ، وقد جاء هذا القيد احتراسا من أن يكون بياضها من البرص . أعطاه اللّه عزّ وجلّ آية العصا التي تنقلب ثعبانا مخيفا ، وفيها إشارة وعيد . وأعطاه آية اليد الّتي يدخلها في جيبه إلى جناحه فتخرج بيضاء من غير سوء تتلألأ نورا ، وفيها إشارة هداية بنورها .